من أدب الثورة

رمضان ٢٠١٢ – حلب تفتح أبواب الحرب

كان رمضان مختلفًا ذاك العام. لم يكن شهر الصوم والسكينة، بل شهر الانفجار الكبير. دخلت مجموعات "لواء التوحيد" إلى بعض أحياء حلب، وصار لصلاح الدين وسيف الدولة وقع جديد، اسم جديد، عنوان للاشتباك الأول.
بدأت الأمور بهدوء متوتر، اشتباكات متفرقة هنا وهناك، ثم سرعان ما تحولت إلى معارك واسعة، شوارع تُقصف، نوافذ تُكسر، وأبواب تُفتح للمجهول.

نزح الأهالي من صلاح الدين، ومن أغلب أرجاء سيف الدولة، في موجة ذعر جماعي. وخلال أسابيع، أصبحت الأحياء الشرقية ومعظم المدينة القديمة تحت سيطرة الثوار.
لم يتأخر الطيران في الحضور. طائرات "L-39" كانت لا تفارق السماء، مسلحة برشاشات وصواريخ تُطلقها بتتابع جنوني على الأحياء السكنية، كأنها تحاول محو المدينة.

لم يكن الناس قد اعتادوا هذا النوع من الموت. نزحت أحياء بأكملها إلى الريف والمناطق الآمنة، إن وُجدت. في الطرقات بدأت رائحة الموت تزاحم الهواء، وأحاديث القنّاصة تنتقل كالرعب، عن أولئك الذين يصطادون الأبرياء في الحقول، حيث لا غطاء ولا نجاة.

قذائف الهاون لا تفرّق. كانت تحصد الأرواح على عجل.

---

مشهد – الجابرية، تحت النار

كنت أسير نحو مكتب أستاذي في حي الجابرية، تحت وابلٍ من قذائف الهاون، حين التقطت أذني حوارًا بين جارتين اختبأتا في مدخل بناية:

"أم إيليا، لا تخافي، ما في شي… بس نزلت قذيفة هاون ببيت ابنك. عم يقولوا شالوه عالمشفى…"
ردت أم إيليا بصوت مذبوح: "يا لطيف! وِيــيــنــه؟"
قالت الجارة: "لا تخافي، هو بالعمليات… قالوا مصارينُه مقطعة، عم يشيلوا منها الشظايا…"

كان قدري أن أنزح من بيتي، الذي أصبح خط جبهة، إلى مكتب أستاذي الذي لم يكن أوفر حظًا، فقد تحول بدوره إلى جبهة أخرى. أغلب سكان البناء نزحوا، لم يبقَ سواي وبعض الأرواح المعلقة بالخوف.

ليلٌ ثقيل – لجان شعبية وخط النار

في الليل، كانت اللجان الشعبية تتجمع في مدخل البناء، رجال من  الماردل، يشربون العرق البلدي كأنهم يبتلعون الشجاعة مع كل رشفة.
كنت أسمع حديثهم بوضوح، وأحرص على إطفاء الأنوار، لا أُصدر صوتًا، لا همسة. كنت شبحًا في ظلام، يراقب موتًا على التخوم.

وعندما تلاعب الريح أغصان أشجار "حديقة ميسلون" – تلك التي كانت خط التماس – كانوا يفتحون النار صوب الجذوع، صليات طويلة من الرصاص تخترق الجذع والخوف، ظنًا أن ثمة من يتسلل.

مشهد ٢ – قنّاصو السماء والأرض

كانت الأيام تُنسج بخيوط الرعب. لا نهار يُشبه الذي قبله، ولا ليل يأتي إلا محمولًا على أكتاف الذعر.
القناصة كانوا ملوك الأزقة، يعتلون الأبنية العالية كآلهة موت يوزّعون نهايات مفاجئة من خلف عدسات بنادقهم.
لم يكن أحد يعرف من أين تأتي الرصاصة. صوتها يأتي بعد أن يخترق الجسد، وبعد أن تتناثر الدماء على الجدران.

كان المارة يركضون عند المفارق، يختبئون خلف الزوايا، ينتظرون "الصافرة" التي تعني أن الموت قد عبر ولم يصبهم بعد.
في الطرقات، على الجدران، في عيون النساء، أصبح الخوف هو اللغة الوحيدة المفهومة. حتى الأطفال، أولئك الذين لا يفهمون السياسة، باتوا يُميزون بين رصاصة قنّاص وبين قذيفة هاون.

---

مشهد ٣ – شبح في الجابرية

في شقتي بمكتب أستاذي، كنت أعيش كالشبح.
لا أُضيء النور. لا أفتح النوافذ. لا أتحدث.
الوحيد الذي يسمعني هو جهازي التنفسي، وكان يحاول ألّا يحدث صوتًا.
كل شيء خارج الجدران كان تهديدًا: الرصاص، القذائف، وحتى الهمسات.

في مدخل البناء، كان الرجال من اللجان الشعبية يتسامرون ويشربون.
ضحكاتهم خشنة، متقطعة، مرعوبة كأنها تحاول أن تهزم الليل.
كلما هبّ نسيم عبر أشجار "ميسلون"، كانت البنادق تُصبّ جام غضبها على الجذوع.
الرصاصات تثقب الأخشاب، لكن الخوف لا يتراجع.

كنتُ أعدّ أنفاسي. كل ليلة كنتُ أعيش على احتمالين:
إما أن يقتحموا الشقة ظنًا أنني "مندسّ"، أو أن تنفجر قذيفة في الغرفة المجاورة.
وفي كلا الاحتمالين، لن يكتب أحد عني شيئًا سوى سطر مقتضب:
"شاب مجهول، مات في حي الجابرية".

مشهد ٦ – صباحٌ يتنفس البارود

كنت نائمًا حين ارتجت الأرض.
كانت الساعة السادسة صباحًا حين هزّ انفجارٌ هائل الحيّ بكامله، فاهتزّت الجدران وكأنها ستتفتت من الخوف.
قفزت من سريري مذعورًا، نظرت من النافذة فلم أرَ شيئًا.
ضباب كثيف، دخان أسود، ورائحة بارود تلف سماء ميسلون والجابرية، كأن المدينة انزاحت عن الأرض وسقطت في بئر من الجحيم.

بدأت القذائف تتساقط كالمطر.
هاونات، صواريخ، أصوات تفتك بالهواء قبل أن تفتك بالبشر.

في كرم الكسمة، سقط عدد من الشهداء.
مدنيون معظمهم.
جثث ممددة، إسعافات مرتجلة، وصراخ يختلط مع هدير الطيران.

تبين لاحقًا أن مقاتلي "لواء التوحيد" نسفوا نفقًا تحت ثكنة هنانو في منطقة العرقوب، ثم اقتحموا الثكنة، الأمر الذي استدعى ردًا جنونيًا من السماء.
خرج الطيران بكثافة، يقصف بلا توقف، كأنما يحاول إعادة رسم المدينة بالقنابل.

---

مشهد ٧ – أبو جمعة: رجل يكنس تحت القصف

وسط هذا الجنون، وسط كل هذا الموت، رأيت رجلاً يحمل مكنسة.
كان أبو جمعة، عامل النظافة.

كان يكتسح الرصيف أمام الدكان كأن شيئًا لم يكن.
صرخت به:
"لك يا عمي أبو جمعة! شو هالجنون؟ فوت لجوا، رح تطب عليك قذيفة!"

ابتسم وقال ببساطة لا تُحتمل:
"عم اتسلى، يا أستاذ..."

أبو جمعة، من جبل الزاوية في إدلب.
رجل فقير يعمل في البلدية، يأتي إلى المدينة ليكنس شوارعها بينما بلاده تُقصف.
أسرته تسكن قريته، وهو يداوم شهرًا ليأخذ يومين فقط يذهب فيهما لرؤيتهم.

لم يكن لديه بيت.
أحد الطيبين منحه دكانًا صغيرة لينام فيها.
كان الفقر مرسومًا على ملامحه، ومع ذلك، ظل يكنس الشارع... في قلب القصف.

لم يكن يكنس الغبار.
كان يواجه الفوضى بعصا من خشب، كما لو أن الحياة تستحق الدفاع عنها، ولو بمكنسة.

مشهد ٨ – الماء… ذلك الرفاه الضائع .

حين انقطعت المياه عن المدينة، لم يكن ذلك خبراً عاجلاً على شاشة، بل إعلاناً صامتاً عن بدء مرحلة جديدة من الحصار.

لم يكن هناك قرار رسمي.
فقط صمت في الصنابير.
تفتح الحنفية، فتنزل منها قطرتان، ثم تصمت 

بدأنا نتحرك نحو المناهل.
مناهل المياه كانت مثل النبع المقدّس، لكنها وسط الركام.
الناس يقفون بالطوابير، يحملون الغالونات، الدلاء، الزجاجات المكسورة، أي شيء يصلح ليحمل قطرة.

كنت أستيقظ في الصباح الباكر، أضع غالونين فارغين على عربة أطفال قديمة وجدتها مرمية بجانب حاوية قمامة، وأسير.
أحيانًا أقطع نصف الحي لأصل إلى منهلٍ لم يُقصف بعد.

النساء كنّ ينتظرن بصمت.
لا أحد يتكلم كثيرًا.
الخوف علّم الناس الاقتصاد في كل شيء… حتى في الكلمات.

سمعت طفلًا صغيرًا يسأل أمه بصوتٍ خافت، وهو ينظر إلى صف الدلاء الموحلة:
"ماما… نحنا ليش صرنا نشرب متل الكلاب؟"
تجمّدت الأم لحظة، ثم انحنت عليه، وشدّته إلى حضنها دون أن تجيب.

مشهد ٩ – في الطريق إلى منهل الماء

الطريق إلى المنهل لم يكن آمنًا.
القناصة، الهاونات، الطيران، كلهم شركاء في حصار الماء.
لكننا كنا نخرج على أي حال.
العطش لا ينتظر وقف إطلاق نار.

كنت أربط الغالونات بحبل، وأسحبها خلفي.
الشارع بدا خاليًا، لكنه لم يكن كذلك.
الأشباح تراقب: من يخرج، من يعود، من يضحك، من يتأخر.

وفي بعض الأيام، كنا نعود دون ماء.
المنهل قد دُمّر، أو الطيران يمرّ فوق الرؤوس، أو الطريق صار "منطقة اشتباك".
فنعود عطشى، نحاول أن نجمع ماء المطر، أو نجمع قطرات من  الثلاجة التي لم تعد تعمل منذ أشهر.

تعليقات

اقرأ المزيد

أسباب كسب الملكية الني لا تستوجب التسجيل في السجل العقاري. المحامي صدام يحيى مروش

رئيس مجلس فرع حلب لنقابة المحامين السوريين الأحرار في الجمهورية العربية السورية يسقبل رئيس المجلس المحلي في اعزاز

اغتيال القاضي محمد زيدان أيوب النائب العام التمييزي

قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 112 لعام 1950

المحامي الاستاذ حومد حومد يلقي محاضرة عن حقوق الإنسان

القانون رقم/30/للعام 2010والمتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. في الجمهورية العربية السورية.

الاستاذ مازن جمعة ترخيص الجمعيات و المنظمات و الشركات

الثورة بين إسقاط النظام وتحقيق العدالة: قراءة قانونية في مآلات التغيير

المحامي الأستاذ مهند الحسني متحدثا عن الانتخابات الامريكية وودور الجالية العربية

المناصب بين تكليف الواجب و استعلاء النفوذ